أبي منصور محمد الماتريدي السمرقندي الأنصاري

179

التوحيد

وبعد ، فإن القبائح لم تذكر في هذا على رسول اللّه ، وإنما ذكر في الجواهر المورثة . وقال : بل قول المجوس : إن اللّه أراد شيئا مما هي محرمة في الإسلام ، ولذلك قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : القدرية مجوس هذه الأمة . قال الشيخ رحمه اللّه : نقول وباللّه التوفيق إذ ثبت أن الآية بحق الامتداح كان في خروج شيء من الكائنات امتداح بغير الذي له ، أو بما يشاركه فيه كل ضعيف ؛ لأنه لو أراد كلية الأشياء ، ولم يكن خلقها ، فامتدح بغير الذي له ، وذلك كذب ، وفي إخراج البعض مساواة غيره في أنه صانع كل شيء ، يريد ما لا صنع لغيره فيه ، وذلك فاسد . مع ما لو جاز ذلك على الصرف إلى غير الذي لغير فعل ليجوز أن يقال : ليس بخالق شيء ، على أنه ليس بخالق ما هو فعل لغيره ، فإذ كان وصفا له بالذم والعبودة ثبت أن الأول وصف له بالمدح والربوبية ، وفي التخصيص إيجاب الأول . وأيضا أنه قال : هو رب كل شيء ، وإله كل شيء ، وهو على كل شيء وكيل ، ولم يجز إخراج شيء عن ذلك ، وإن كان لا يليق القول به على التخصيص لقبح نحو أن يقال : رب الخبائب وإله القبائح ووكيل الشياطين وإبليس ، وقائم على كل نتن وقذر ، فمثله الأول ، وإن كان يقبح على التخصيص في أشياء من حيث التسمية . وبهذا الوجه الذي قال شهدت المجوس والزنادقة أن اللّه تعالى لم يخلق مؤذيا ولا فسادا ، ولا أمات وليّا ولا قوّى عدوا ، ولا أبقى الشياطين ، ولا أعطى من يعلم أنه يشتمه ويصد عن طاعته أحدا ، لقوة ذكرنا ذلك ليعلموا أن أصل الاعتزال مقدّر عن ذلك ؛ إذ إليه فزعهم عند مخالفتهم المفهوم من القرآن ، ومما جرى عليه قول الإسلام ، ولذلك قال رسول اللّه عليه السلام : « القدرية مجوس هذه الأمة » « 1 » . ولو جاز خروج شيء من أن يكون هو له خالقا لجاز مثله عن الملك والربوبية ونحو ذلك من أسماء الامتداح ، فيبطل أن يكون له مدح بشيء ؛ لما في كل شيء له شركاء في حقيقة معناه ، ولا قوة إلّا باللّه . وقوله " لم يدخل هو فيه " عجيب . متى يذكر هو في اسم الأشياء بالإطلاق ، ولو جاز ذا لجاز أن يذكر في ذكر العلماء وذكر الفاعلين وذكر الوكلاء والأرباب والملوك ، وذلك كلام من لا يعقل ما يقول . وبعد ، فلو كان يذكر - وإن كان ممتنعا ذلك في العقل - الشيء لم يجز خروج غيره بخروجه لوجوه : أحدها قوله : وهو على كل شيء وكيل ، وهو رب كل شيء ، وإله كل شيء ، لم يجز خروج شيء من ذلك وتخصيصه في الخلق ليبطل معرفة المراد من حيث لم يدخل هو فيه .

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .